صديق الحسيني القنوجي البخاري
443
فتح البيان في مقاصد القرآن
وَيَقُولُونَ مَتى يكون هذَا الْوَعْدُ الذي تعدوننا به وهو قيام الساعة أخبرونا به إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ قالوا : هذا على طريقة الاستهزاء برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، ومن معه من المؤمنين فأمر اللّه رسوله صلّى اللّه عليه وسلم أن يجيب عنهم فقال : قُلْ لَكُمْ مِيعادُ يَوْمٍ أي ميقات يوم ، وهو يوم البعث ، وقيل وقت حضور الموت وقيل : أراد يوم بدر لأنه كان يوم عذابهم في الدنيا وعلى كل تقدير فهذه الإضافة للبيان ، وميعاد مصدر بمعنى الوعد ، أو اسم زمان قال أبو عبيدة : الوعد والوعيد والميعاد بمعنى . لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ أي هذا الميعاد المضروب لكم لا تتأخرون عنه بالاستمهال ولا تتقدمون عليه بالاستعجال ، بل يكون لا محالة في الوقت الذي قد قدر اللّه وقوعه فيه ، وهذا جواب تهديد جاء مطابقا لما قصدوا بسؤالهم من التعنت والإنكار ، ثم ذكر سبحانه طرفا من قبائح الكفار ونوعا من أنواع كفرهم فقال : وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني مشركي العرب لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ أي بما أنزل قبل القرآن من كتب اللّه تعالى كالتوراة والإنجيل أو القيامة أو الجنة والنار ، يعني أنهم جحدوا أن يكون القرآن من اللّه ، وأن يكون لما دل عليه من الإعادة للجزاء حقيقة ، ثم أخبر سبحانه عن حالهم في الآخرة فقال : وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ الخطاب لمحمد صلّى اللّه عليه وسلم أو لكل من يصلح له ، والمعنى محبوسون في موقف الحساب ، وجواب لو محذوف أي لرأيت أمرا عجيبا وحالا فظيعا يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ أي فيما بينهم باللوم والعتاب بعد أن كانوا في الدنيا متعاضدين متناصرين متحابين ، ثم بين سبحانه تلك المراجعة فقال : يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا وهم الأتباع لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا وهم الرؤساء المتبوعون لَوْ لا أَنْتُمْ صددتمونا عن الإيمان باللّه والاتباع لرسوله لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ باللّه مصدقين لرسوله وكتابه . قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا مجيبين عليهم مستنكرين لما قالوه أَ نَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى أي أمنعناكم عن الإيمان بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ الهدى قالوا : هذا منكرين لما ادعوه عليهم من الصدّ لهم ، وجاحدين لما نسبوه إليهم من ذلك ، ثم بينوا لهم أنهم الصادون لأنفسهم الممتنعون من الهدى بعد إذ جاءهم فقالوا : بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ أي مصرين على الكفر كثيري الإجرام عظيمي الآثام .